القاضي عبد الجبار الهمذاني
285
المغني في أبواب التوحيد والعدل
صحة ما قلناه ، من أنه يحصل عند سبب وطريق ؛ فأما العلم بأن أحد الكلامين يباين الآخر ، في الفصاحة ، فلا بدّ من أن يكون تابعا لما قدّمنا ذكره من العلوم ؛ وتنضاف التجربة والعادة ، فتعرف عند ذلك المباينة ، كما يعرف أهل الصنائع التفاضل في صنائعهم ؛ فليس بواجب ، والحال ما قدّمناه ، أن يكون كل واحد ، من العقلاء يشارك العرب ، في المعرفة ، بمزية القرآن ؛ وإنما يجب أن يعرف ذلك من يعرف الكلام الفصيح ، ويعرف العادات فيه ؛ ثم العلم بالمزية ، التي تخرجه عن طريق العادة أحضر من العلم الأوّل ؛ لأن نفس المزية ، قد يعرفها أحدنا ، في الكلام ، ولا يعرف قدره على التفصيل ؛ وهذا كما يعرف المتقدّم في الشعر ، من أحوال الشعر ، ما لا يعرفه غيره ، وإن كان مساويا له ، في معرفة اللغة ، حتى أن فيهم من يعرف من نقد الشعر ، والمعرفة بسائر أحواله ، ما لا يعرفه غيره ، وإن كان حاله كحاله في الحفظ الكثير ؛ وهذه الطريقة شبيهة بما نعلم ، من حال الجواهر النفيسة ؛ لأن أهل البصر بها يعرفون المباينة ، بين الجوهرين ، وإن كان قدرهما ، في الكبر ، والوزن لا يتفاوت ، لأحوال تتعلق بالعادة والتجربة ؛ حتى إذا عرّفوا من لا يعرف وقف على طريقته ؛ وكذلك القول ، في الحساب ، وغير ذلك ؛ فإذا صحت هذه الجملة فليس لأحد أن يقول : إذا قلتم إن المعارضة تعذرت عليهم ، ولا شبهة ، فيجب أن تكونوا عالمين ببون ما بين القرآن وغيره ، من الكلام الفصيح ؛ وإذا علموا ذلك فيجب أن يعلمه غيرهم ؛ لأن ذلك مما لا يمنع أن يختص به أهل البصر بهذا الشأن ؛ فلهذه الجملة ادّعى شيوخنا : أن علمهم بفضل القرآن وخروجه ، في قدر الفصاحة ، عن العادة ضروري ؛ وأنهم لعلمهم بحاله قعدوا عن المعارضة ، وضاق ذرعهم ، عند تكرر سماعه ، حتى اضطر بعضهم إلى الاستجابة ، وبعضهم عاند وكابر ، وعدل إلى الحرب ، لا لأنه لم يعرف